فصل: الظاهر والباطن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المعجزة الكبرى القرآن



.الظاهر والباطن:

255 - يدَّعي بعض فرق الشيعة أنَّ للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وأن الباطن له باطن حتى يصل العدد إلى سبعة بواطن، وأنَّ معرفة القرآن معرفة صحيحة كاملة لا تكون إلَّا بمعرفة هذه البواطن، وليس علمها عند كل إنسان، بل أوتي العلم بالبواطن كلها الإمام المعصوم، والأصل أنَّ علم هذه البواطن كلها كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أودعها من بعده علي بن أبي طالب، وعلي أودعها عند موته الإمام من بعده، وهكذا توالت النفوس في أخذ هذه الوديعة إمامًا عن إمام حتى وصلت إلى الإمام المستور المغيب.
وقد تولى القاضي عبد الجبار إدحاض ذلك الرأي، وبيِّن أنه لا أساس له من العقل ولا النقل، فقال عن هذا الرأي: حكي ذلك عن قوم من الأوائل؛ لأنهم زعموا أنه ينطبع في النفس مثل المدركات، فيعرفه المدرك، على أنَّ هذه الطبقة خارجة عن حد من يناظر ويتكلم؛ لأنها تبنى على الحيل. وإنما تقع المناظرة من أهل الديانات دون من يجعل من يبتدئه ويعيده مبنيًّا على الخديعة والاستشكال، والتوصل إلى استباحة المحذور، ويرى أنَّ المذاهب كلها واحدة، وأنَّ الواجب أن يظهر لكل فرقة ما يقرب به إليها، ولا ينفر بالمخالفة إلى سائر ما يحكى عنهم، ولو بنوا الأمر على طريقة النظر ما أقدموا على هذا القول مع وضوح فساده، ولكنهم توصلوا بذلك إلى الاحتيال على الناس، فقالوا: إنَّ القرآن له ظاهر وباطن، وتنزيل وتأويل، وإن الأثر قد ورد بأن تنزيله مفوَّض إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وتأويله إلى عليّ رضي الله عنه، ثم إلى سائر الحجج - أي: الأئمة، وأنه لا بُدَّ من معرفتهم ليصح أن يعرف مراد الله تعالى، فجعلوا ذلك طريقًا إلى القدح في الإسلام والدين؛ لأنه مبني على القرآن والسنة، فإذا أخرجوا من القرآن ما يعرف به الشيء، وكذلك السنة وجعلوهما ظاهرين، وجعلوا المرجع إلى الباطن الذي لا يعلم إلَّا من جهة الحجة (الإمام)، ولا حجة في هذا الزمان، فقد سدوا باب معرفة الإسلام، وطعنوا فيه، فعظمت مضرتهم.
ويسوق بعد ذلك عبد الجبار الأدلَّة على بطلان ذلك المذهب، وإن كان لا يحتاج بطلانه إلى دليل، ويناقش القول الذي قالوا؛ لأنه يلغي اعتبار الألفاظ، وعلى فرض بقائها يجب أن يكون علم الإمام مبينّا لها، وإنَّ قولهم هذا يؤدي إلى أن يلتبس أمر القرآن على الأمة؛ لأنَّ الإمام مستور، وأنَّ القول بأن له باطنًا لا يعرف للناس مناف لقول الله تعالى في وصفه تعالى للقرآن بأنه هدًى للناس، وبأن فيه تبيان كل شيء، وأنَّ الناس مأمورون بالتفكّر في آياته وتدبره، وهكذا.
وفي الحق أنَّ ذلك الكلام لا موضع له من النظر، وقد حكيناه ليتبيِّن أوهام أولئك الناس التي لا سلطان لها من حجة أو برهان، ولكنَّها مخارف الشيطان.
256 - ويجب هنا أن ننبِّه بأنَّ بعض العلماء يقولون: إنَّ القرآن ظاهرًا وباطنًا، لا بهذا المعنى، بل بمعنى أنَّ القرآن يحوي من العلم ما يخفى على بعض الناس، فأولئك لهم ظواهر الألفاظ، أمَّا ما عدا هذه الظواهر مما تشير إليه من علم فإنه لا يعرف إلَّا خواص العلماء، والراسخون في العلم، ولا تناقض بين الظاهر والباطن.
فالغزالي يسلّم بأنَّ للقرآن ظاهرًا يفهمه كل قارئ للقرآن يعلم بأساليب البيان العربي، مطَّلِع على المأثور عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وله باطن عريق يفهم من الإشارات البيانية، وما وراء الألفاظ من معانٍ علمية لا يدركها إلا الراسخون في العلوم المختلفة.
والغزالي على هذا ينتهي إلى أنَّه لا يصح الاعتماد على العقل وحده في فهم القرآن، بل لا بُدَّ من الاستفادة بالنقل، ويصحّ الأخذ بالنقل في الأحكام الشرعية، بل يجب الأخذ به، وفي غيرها من النصوص تكون الطريقة المثلى أن يعتمد على النقل والعقل معًا، فإنَّ ظاهر القرآن لا بُدَّ في معرفته من نقل اللغة والسنة إن كانت سنة صحيحة.
وفي ظلِّ النقل الصحيح إن كان في ظل الدلالات اللغوية للألفاظ والأساليب البيانية، والعرف الإسلامي لألفاظ القرآن يعمل العقل في استخراج معاني القرآن الكريم، المتسعة الأفق البعيدة المدى، وفي القرآن آيات كثيرة توجِّه العقل إلى عمق الحقائق الكونية والنفسية، وكلما تفتَّح العقل، وأدرك ظواهر كونية إدراكًا صحيحًا وجد في القرآن ما يشير إليها، وأنَّه كلما اتسع أفق العقل البشري في فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم.
ولعلَّ ذلك هو الذي أشار إليه بعض الصحابة في أقوالهم، مثل قول أبي الدرداء فيما نسب إليه: (لا يفقه حتى يجعل للقرآن وجوهًا) ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود أنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا وحدًّا ومطلعًا». وليس الباطن المذكور في ذلك النص الذي لا يعلمه إلَّا الأئمة كما يدَّعي الشيعة، إنما الباطن هو الإشارات البيانية إلى الحقائق الكونية والنفسية، وغير ذلك من المعاني التي تدركها العقول، ويصل إليها العالم ذو البصيرة المنيرة الذي آتاه الله تعالى نفاذ عقل واستقامة فكر.
257 - والغزالي يقول: المعنى الذي يؤخذ من ظواهر الألفاظ العربية، ويثبت بعضه من السماع عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والصحابة هو الطريق للمعنى العميق الذي يدركه الناس كلما تقدم العلم، واطَّلعوا على ظواهر الكون وكشفوا من خواصه ما كان مجهولًا، ولا سبيل لمعرفة تلك المعاني العميقة إلَّا بالمعاني الظاهرة المكشوفة.
ويقول الغزالي في ذلك ما نصه: النقل والسماع لا بُدّ منه في ظاهر التفسير أولًا، ليتقي موضع الغلط، ثم بعد ذلك يتتبع للتفهم والاستنباط، واستخراج الغرائب التي لا تفهم إلَّا بالسماع، ولا مطمَع في الوصول إلى الباطن قبل إمكان الظاهر، ومن ادَّعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدَّعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم، وهو لا يفهم لغة الترك، فإن ظاهر التفسير يقتضي تعلُّم اللغة التي لا بُدَّ منها للفهم.
والمعنى الباطن الذي يقصده الغزالي هو تحرّي الدقائق التي تكون في مطوى الألفاظ القرآنية، والأسرار التي لا يدركها إلَّا العلماء الراسخون في الإسلام، والعلوم المختلفة، كل بمقدار طاقته العلمية، بعد فهم ظاهر اللفظ وما فيه من مجاز وحذف وإخبار، وعموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، وإنَّ ذلك واضح من كلامه وضوحًا بيِّنًا، فهو يقول في معاني القرآني:
إنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علمهم، وصفاء قلوبهم، وتوافر دواعيهم على التدبر، وتجردهم للطلب، ويكون لكل واحد حدّ في الترقِّي من درجة إلى درجة أعلى منها، فأمَّا الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مدادًا والأشجار أقلامًا، فأسرار كلمة الله - عز وجل - لا نهاية لها، فمن هذا الوجه يتقارب الخلق في الفهم، بعد الاشتراك في معرفة التفسير، وظاهر التفسير لا يغني.
249 - هذه إشارات إلى مناهج التفسير تكلَّم فيها العلماء، وعندي أنه لا يمكن الاستغناء عن الآثار في فهم آيات الأحكام، أمَّا ما عداها فإنَّ العقل له فيه مجال كبير يشرط ألَّا يهيم على غير نور من الشرع، ولا بُدَّ لكي يكون التفسير بالعقل مقبولًا من ثلاثة شروط:
أولها: العلم باللغة علمًا سليمًا لكي يدرك معاني التصريف البياني في القرآن.
وثانيها: ألَّا يخالف المأثور عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؛ إذ يكون مخالفًا للمبيِّن الأول للقرآن وهو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
والشرط الثالث: ألَّا يتعصَّب لفكرة أو مذهب، ويخضع القرآن لما يتعصب له، فيكون تفسيره خاليًا من تأثير الهوى، والله أعلم.

.ترجمة القرآن:

259 - أجمع العلماء على أنَّ القرآن هو اللفظ والمعنى، وأن من خالف ذلك يعد قد خالف في أمرٍ عُرفَ من الدين بالضرورة، وليس المعنى وحده يُعَدّ قرآنًا؛ لأنَّ التحدي كان باللفظ والمعنى، ولمَّا تحداهم الله تعالى طالبهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وواضح أنَّ التحدي هنا باللفظ.
وأنَّ جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بلسان عربي مبين، ولقد وصف القرآن الكريم بأنه عربي، فقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا}، وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، فالقرآن بلفظه ومعناه عربي، ولا يصح أن يقال عن كتابه بعض معانيه بغير العربية أنها قرآني.
ومع وضوح هذه الحقيقة البدهية التي لا تختلف فيها العقول عند أهل الإيمان، ولا تتباين فيها الأنظار، وجدّ من الناس من ادَّعى أنَّ معاني القرآن قرآن، وأنه على هذا الاعتبار تجوز ترجمة القرآن الكريم، على أن يكون المترجم قرآنًا له كل خواص القرآن، ويتعبَّد به كما يتعبّد بالقرآن الذي نزل به جبريل بلسان عربي.
بل وصل التهافت في القول إلى أن يدَّعي بعض الذين لا حرج على ألسنتهم ولا على قلوبهم أن يقول: إنَّ الذي نزل به جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام هو المعنى فقط.
وذلك كله هراء من القول، وانحراف عن الدين، أو خروج عنه.
وفي وسط ذلك المضطرب كان من بين الذين يتجنَّون على القرآن من ادَّعى أن الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان يرى أنَّ القرآن هو المعنى فقط، وبنوا على هذا جواز ترجمة القرآن عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأكرم مثواه، والأصل الذي بنوا عليه دعواهم أنَّه رأى في صدر حياته طوائف من الفرس قد دخلوا في الإسلام، وقد علموا العربية، ولكنَّ ألسنتهم لم تطوع للنطق بها من غير رطانة أعجمية، بل كانت تتلوَّى في مخارج الحروف العربية، كما نجد اليوم الأعاجم الذين يعلمون اللغة العربية، ولا تطاوعهم ألسنتهم في النطق السليم بها، فسوغ أبو حنيفة لهؤلاء أن يقرأوا معاني الفاتحة بلغتهم الفارسية، وقد روي في هذا أنَّ أهل فارس في عهد الصحابة قد صعب عليهم مخارج الحروف العربية، فطلبوا إلى سلمان الفارسي أن يعبِّر لهم بالفارسية عن معاني الفاتحة ففعل، حتى لانت ألسنتهم وقرأوا القرآن باللغة العربية، وقد اشترط أبو حنيفة لجواز ذلك ألَّا يكون الشخص مبتدعًا بهذا العلم، أي: إنه يترك القراءة بالعربية مع القدرة على النطق الصحيح بها، وإخراج الحروف من مخارجها، ليقرأ معانيه بلغة أخرى فارسية أو أوربية.
وقد روي عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا الرأي، روى هذا نوح بن أبي مريم الجامع، وهو الذي رجَّحه الأكثرون، وأنَّ النظرة التاريخية الفاحصة تجد ترجيح هذه الرواية له سبب واضح، وهي تساير الحقيقة التاريخية، وهو أنَّ أبا حنيفة الفقيه المدرك قرَّر جواز قراءة المعاني بالفارسية على أنَّها دعاء مقارب للفاتحة في معانيه، فلما لانت الألسنة ودخل الناس من أهل فارس وغيرها في دين الله أفواجًا، ورأى أنَّ المبتدعين هم الذين يتَّخذون القرآن مهجورًا، وهم الذين يستبيحون تلك الرخصة التي رخَّصها، حرَّم ما كان قد استحسن.
260 - ومهما تكن الفتوى من الناحية التاريخية فإنَّ الفقهاء اختلفوا في أصل هذه الفتوى، أمؤدَّاها أنَّ أبا حنيفة اعتبر الترجمة دعاء وليست قرآنًا، أم أنه اعتبرها قرآنًا، وهل مؤدَّى ذلك أن يكون أبو حنيفة قد اعتبر القرآن هو المعنى دون اللفظ.
ونقول في الإجابة عن هذا السؤال: إنَّ من المقطوع به أنَّ أبا حنيفة لم يعتبر القرآن الذي نزل على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو المعنى فقط، فذلك ما لم يقله أحد من أهل الإيمان؛ لأن محمدًا صلى الله تعالى عليه وسلم أقرأه جبريل اللفظ، ولم يوحَ إليه بالمعنى وحده، اقرأ قوله تعالى مع ما تقدَّم: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16 - 19].
فهل بعد هذا النصِّ القاطع يستطيع أحد أن يدَّعي على أبي حنيفة الورع التقي أنه يقول: إنَّ الذي نزل على محمد وتلقَّاه عن جبريل الأمين - وهو روح القدس - هو المعنى فقط، إنَّ ذلك غير معقول.
وبقي السؤال الأول: هل يمكننا أن نفهم من هذا أنَّ أبا حنيفة أقرَّ قراءة القرآن بغير العربية ممن يعرف العربية، ولا يجيد إخراج الحروف من مخارجها، إنه يعتبر المعنى ذاته قرآنًا مع إقراره، بأنَّ الذي نزل على محمد اللفظ والمعنى.
نقول: إنَّ الأكثرين من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين يقولون: إنَّ أبا حنيفة اعتبر المترجم مجزئًا للصلاة في الحدود التي رسمناها في دور من أدوار اجتهاده الفقهي، ولكنَّه لا يعد قرآنًا قط، ولذا لم يقل أنَّه تجب سجدة التلاوة بالجزء المترجم إذا كان في معنى آية لها سجدة تلاوة، وأجاز أن يمسّ غير المتوضئ الجزء المترجم، ولا حرج عليه، وتقرأ الحائض والنفساء المعنى المترجم، ولا إثم في ذلك؛ لأنَّه ليس قرآنًا.
ولذلك يقول الأكثرون من فقهاء المذهب الحنفي: إنَّ ما قرره أبو حنيفة إن هو إلا ترخص للذين لم تقوَّم ألسنتهم تقويمًا عربيًّا سليمًا، فسوَّغ لهم أن يقرءوا المعاني حتى تقوَّم ألسنتهم، وعلى أنَّه دعاء لا على أنها قرآن، ولم يعرف عنه قط أنه سوغ في غير الفاتحة.
وعلى هذا لا يجوز لأحد يبني على ما روي عن أبي حنيفة جواز ترجمة القرآن إلى لغة من اللغات على أن يكون المترجَم قرآنًا، ومهما يكن، فإنَّ الرأي الذي ينسب إلى أبي حنيفة قد رجع عنه، وهو خارج عن رأي الفقهاء أجمعين، فلم يسوغ أحد قراءة معاني الفاتحة بالفارسية أو غيرها، بل أجازوا الدعاء لمن لا يعرف العربية ولم يجد من يأتم به ليغنيه عن القراءة.
وتكرَّر القول بأنه رجع عنه، وقلنا: أنه الذي يتفق مع السياق التاريخي؛ إذ إن أبا حنيفة عاش سبعين سنة ابتدأت سنة 80 وانتهت سنة 150، والمعقول أنه رأى الألسنة الفارسية لم تقوَّم، فسوَّغ لهم من قبيل الرخصة الدينية فقط أن يقرءوا المعاني لسورة الفاتحة على أنها دعاء تقوّم ألسنتهم، فلمَّا رأى الألسنة قوِّمت ولانت واستقامت، وخشي البدعة؛ إذ يجد المبتدعة السبيل لبدعتهم، فرجع عن رأيه، ولا يصحّ الاعتماد على رأي رجع عنه صاحبه.
261 - ولو تركنا فتوى أبي حنيفة، وقد علمنا من الفتوى أنَّه لم يعتبر ترجمة القرآن قرآنًا لها قدسيّة القرآن يجب أن نتَّجِه إلى موضوع الترجمة في ذاته، ولكي نقرر الحق فيه يجب أن نجيب عن هذه الأسئلة الثلاثة:
السؤال الأول: أيمكن ترجمة القرآن؟
السؤال الثاني: أتسوغ الترجمة على أنَّ الترجمة قرآن أو لست بقرآن؟
السؤال الثالث: ما السبيل لتعريف غير المسلمين بالقرآن، وإطلاعهم على معانيه؟
وإنَّا نجيب عن هذه الأسئلة جملة: إنَّ ترجمة القرآن غير ممكنة، وقد تصدَّى لذلك العلماء الأقدمون، فقرَّر ابن قتيبة وغيره من العلماء أن كل كلام بليغ لا يمكن ترجمته ببلاغته من لغة إلى أخرى؛ ذلك أنَّ الكلام البليغ له معنيان مجتمعان، أحدهما أصلي، وهو المقصد الذي انبنى عليه الكلام، وما سبق له من قصة أو حكم أو عظة.
والثاني بلاغي، وهو إشارات الكلام ومجازاته، وما يثيره من صور بيانية، وما يحيط به من أطياف، كالتي تحيط بالصور الحسية، وبهذا كله تعلو الرُّتَب البلاغية، ويسمو البيان.
وبتطبيق هذه القاعدة على القرآن الكريم وهو في درجة من البلاغة لا ينهد إليها أي كلام إنساني قط، فإن ترجمته مستحيلة على أن يكون قرآنًا فيه كل خواصه البلاغية.
ولذلك قال العلماء الأقدمون بالإجماع: إنه لا يمكن ترجمة القرآن بمعانيه الأصلية، والمعاني البيانية اللاحقة لها، فما فيه من أوامر ونواهٍ وأخبار وقصص يمكن ترجمته، فيترجم أصل النهي والأمر، ووقائع القصة، ولكن العبارات التي سبق بها القول وما فيه من صور بيانية، وإشارات تعلو بالكلام إلى أسمى المنازل؛ حيث لا يكون له شبه ولا مثيل، فإن ذلك لا يمكن ترجمته.
ولقد قال الشاطبي في هذا المعنى بعد أن قسَّم معاني الكلام البليغ إلى معانٍ أصلية ومعانٍ خادمة هي ما تشير إليه المجازات والتشبيهات والإشارات البيانية، ومطويات الكلام ومراميه البعيدة، قال بعد هذا التقسيم: إذا ثبت هذا لا يمكن من اعتبر هذا الوجه أن يترجم كلامًا من الكلام العربي بكلام الأعاجم، فضلًا عن أن يترجم القرآن وينقله إلى لسان غير عربي إلَّا مع فرض استواء اللسانين في اعتباره عينًا، فإذا ثبت ذلك في اللسان المنقول إليه مع لسان العرب أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر، وإثبات مثل ذلك بوجه بين عسير جدًّا.
ونزيد على الشاطبي أنَّه إذا توافق اللسانان فإنه بعد ذلك لا يوجد في اللسان الآخر من تكوّن عبارته كعبارة القرآن المعجز للبشر أجمعين الذي إن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
وقد نفى ابن قتيبة إمكان ترجمة القرآن على الوجه الثاني، أمَّا الوجه الأول فقد قال فيه: فأمَّا عن الوجه الأول فهو ممكن، ومن جهة صحَّ تفسير القرآن، وبيان معناه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزًا باتفاق أهل الإسلام، فصار أهل الاتفاق حجة على صحة الترجمة بالمعنى الأصلي.
وبهذا يتبين أن ترجمة القرآن غير ممكنة.
ولا تسوغ ترجمة القرآن، واعتبار هذه الترجمة قرآنًا، فإن ذلك يؤدي إلى ألا يحفظ القرآن من التحريف والتبديل، بل يعتريه ما اعترى التوراة والإنجيل من تحريف وتبديل، فالأناجيل ضاع أصلها العبري، ولم يبق إلَّا ترجمتها اليونانية، أو بالأحرى ترجمة بعضها، والسبب في ذلك هو ترجمتها من العبرية، وهكذا يكون القرآن الكريم لو سوغنا ترجمته، ولكن الطريق مسدود ابتداءً؛ لأن الترجمة غير ممكنة، فكان القرآن محفوظًا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
262 - وهنا يرد أمران منبعثان من السؤال الثالث الذي ذكرناه، وهو كيف نوصل علم القرآن إلى أهل الألسنة الأخرى، ذانكم الأمران أولهما أنَّ كثيرين من الأوربيين والأمريكان وغيرهم، والمغرضون فيهم أكثر من طالبي الحقائق كتبوا معاني القرآن بغير العربية وسمَّوها قرآنًا، وحرَّفوا فيها الكلم عن مواضعه، والأجانب يعتبرونها قرآنًا، ومن الواجب أن تصحح هذه التراجم بترجمة صحيحة سليمة للقرآن الكريم ترد الحق إلى نصابه.
والأمر الثاني: إنَّ عند بعض الأوربيين والأمريكان نزعات تتجه بهم إلى تعرف القرآن وما يشتمل عليه، وإن كثيرين من الشرقيين المسلمين لا يعرفون معاني القرآن وإن كانوا غير فاهمين لما يتلون.
ومن الواجب أن نعرِّف المسملين بمعاني القرآن معجزة الإسلام، ومنهم من يحفظه كله، وكلهم يحفظون بعضه ليصححوا صلاتهم، وإن هؤلاء من حقهم على المسلمين الذين يجيدون العربية ويفهمون لغتهم أن ينقلوا إليهم معاني القرآن؛ ليفهموا معنى ما يتلون من كتاب الله تعالى.
ونقول بالنسبة لهؤلاء الأعاجم من المسلمين: إنهم يتلون القرآن الكريم، ومن السهل أن يكتب لهم في هامش المصاحف التي بأيديهم معاني الألفاظ القرآنية، فيقرأون القرآن، ويستطيعون أن يفهموه، وقد فعل كثيرون منهم ذلك، وما يكون بالهامش لا يعد ترجمة، بل يكون تفسيرًا للمفسر.
وأما بالنسبة لغير المسلمين الذين يريدون أن يعرفوا ما في القرآن، ونحن نقرر أن من الصدِّ عن سبيل الله تعالى ألَّا نطلعهم على ما في القرآن من تكليف وعظات وإرشاد، ولكن السبيل إلى ذلك ليس ترجمة القرآن ذاته، فإن ذلك متعذِّر؛ لأن القرآن له معانٍ رائعة تختلف في إدراكها على الوجه الأكمل للعقول، وكل عقل يدرك منها بمقدار ثقافته، وما يدلي به من حبال المعرفة وطاقة الفهم.
وإنما السبيل هو الاتجاه إلى أحد أمرين، إمَّا بيان المعاني الأصلية التي اشتمل عليها بالقرآن مبينة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك يعرفون حقائق الإسلام ويستضيئون بنور القرآن.
والاتجاه الثاني: أن يفسّر القرآن تفسيرًا موجزًا مختصرًا موضحًا لمعاني الآيات، وأن يتولَّى كتابة هذا التفسير جماعة علمية معروفة بأنها من أهل الذكر، ويذكر التفسير منسوبًا إليهم، ومسمَّى بأسمائهم مضافًا إليها، ويترجم ذلك التفسير على أنه ترجمة تفسير فلان وفلان، وأن نحتاط عند النشر ذلك الاحتياط لكيلا يفهم أحد أن هذه الترجمة هي القرآن، أو هي معاني القرآن، بل يشار إلى أنها ترجمة لمعاني القرآن على ما ذكره وفهمه أولئك المفسرون، فإن معاني القرآن على الحقيقة لا يعلمها كاملة إلَّا منزِّل القرآن، ومن نزل عليه الفرقان، ومن بعد يدرك كل عالم بمقدار طاقته، وإن القارئ المتفهِّم للقرآن الطالب لمعانيه يجد أمامه نورًا، كلما قوي بصره استنارت بصيرته، وكلما علا إدراكه علا فهمه للقرآن، وعلم منه ما لم يكن يعلم، وفهم من بعض أسرار إعجازه ما لم يكن يفهم من قبل.
وإنه لكمال الاحتياط يجب أن يكون النشر بحيث لا يفهم أنه ترجمة لآي القرآن مباشرة، بل يكون الطبع على الوجه الآتي:
أ - يطبع المصحف في وسط الصفحة وترقّم آياته بأرقام أفرنجية، ويكتب حول تفسير كل آية مرقَّمًا برقمها الذي رقمت به الآية، بحيث يكون القرآن مكتوبًا بلغة القرآن، والتفسير مكتوبًا باللغة العربية.
ب - يكتب تفسير باللغة التي ترجم إليها التفسير مرقَّمًا بالأرقام التي رقِّمت بها آيات المصحف، وبحيث يفهم القارئ غير العربيّ أن ما يقرؤه هو ترجمة تفسير للقرآن، وبحيث يفهم تفسير كل آية من رقمها الذي رقمت به في المصحف، وفي التفسير، وإن هذا النظام الفكري والطابعي يحقق مقاصد ثلاثة:
أولها: وضع تفسير موجز باللغة العربية يمكن طبعه مع المصحف من غير ترجمته، وذلك مقصد سليم مطلوب في ذاته، يسهل على القارئ العربي فهم القرآن وهو يتلوه أو يستمع إلى من يتلوه، وبذلك تتحقق العظة، ويتحقق الاعتبار، ويكون الانتفاع كاملًا لمن يعرف العربية.
ثانيها: أن يقرأ القارئ الأعجمي القرآن الذي يحفظه من غير أن يفهم، وبإيجاد التفسير بلغته يتمكَّن من فهم القرآن، ويسهل عليه ذلك أن يعرف العربية إن اتجه إلى معرفتها؛ لأنه حفظ كثيرًا من عباراتها القرآنية وفهم معناها، وقد نفذت ذلك فعلًا بعض البلاد الإسلامية، فالإيرانيون قد كتبوا تفسيرًا للقرآن باللغة الفارسية طبع في هامش المصحف الشريف، وكذلك فعل الأفغانيون، والباكستانيون.
ولو كان التفسير العربي الذي تكتبه طائفة من أهل الذكر، ترجم إلى لغات أولئك لكان العمل أسلم وأتقن وأجدى.
المقصد الثالث: الذي يحققه ذلك العمل الجليل هو تصحيح ما سمَّوه تراجم للقرآن في اللغات الأوربية، وبيان وجه الخطل فيها، وإبطال التحريفات لمعانيه الجليلة، فإنَّ بعض الذين تولَّوا الترجمة لم يكن مقصدهم العلم لذات العلم، بل كان مقصد الكثيرين منهم تشويه معاني القرآن الكريم، وفوق ذلك فإنَّ الأوربيين يجدون السبيل لرؤية القرآن، فإن أرادوا أن يمشوا فيه مخلصين أدركوه، وآمنوا به واهتدوا.
وإن قصدوا إلى النور بعيون ضالَّة، وقلوب مريضة، ونفوس أركست في الهوى، فلن يزدادوا إلَّا عمى، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
هذا هو العمل الذي نعتقد أنه العمل السليم الذي يحقق كل المقاصد من غير أن يتعرَّض القرآن لعبث العابثين ولهو الضالين.
وإنا نعتقد بل نوقن أنَّ الله حافظ كتابه في الانتهاء، كما حفظه في الابتداء، إنه عليم قدير.